
غرفة الصيد البحري المتوسطية – طنجة
في إطار الدينامية التواصلية والعلمية التي تنهجها غرفة الصيد البحري المتوسطية، احتضنت الغرفة يوم الجمعة 13 فبراير 2026 ورشة علمية حول موضوع:
”تحديات وفرص قطاع الصيد البحري بالبحر الأبيض المتوسط المغربي“، وذلك بشراكة مع جمعية أزير لحماية البيئة.
وعرفت هذه الورشة حضور السيد رئيس الغرفة وبعض أعضائها وأطرها، إلى جانب ممثل المكتب الوطني للصيد البحري بميناء طنجة، وممثلي المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، إضافة إلى رؤساء جمعيات وتعاونيات مهنية.
واستُهلّت أشغال اللقاء بكلمة ترحيبية باسم رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية، تلاها السيد مدير الغرفة نيابةً عنه قبل التحاق السيد الرئيس بأشغال الورشة، حيث أكد في كلمته الافتتاحية أن هذا اللقاء يشكل محطةً للتفكير الجماعي في مستقبل قطاع حيوي يساهم في توفير فرص الشغل ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق الساحلية، ويعكس التزام الغرفة بتعزيز المقاربة التشاركية خدمةً لاستدامة قطاع الصيد البحري بالواجهة المتوسطية.

وأبرز أهمية العمل التشاركي بين المؤسسات العمومية والباحثين والمجتمع المدني والمهنيين، مشدداً على أن بناء مستقبل مستدام للقطاع يقتضي الحوار وتبادل الخبرات. كما نوه بمساهمة المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري وبمبادرة جمعية أزير لحماية البيئة في دعم البحث العلمي، مع التنويه بجهود فريق الباحثين الشباب الذي تزعمه الطالب الباحث السيد زكرياءقوبع.
وأشار إلى أن قطاع الصيد البحري يمثل ركيزة للأمن الغذائي وعنصراً من هوية المناطق الساحلية، مؤكداً انخراط الغرفة في ترسيخ مبادئ الاقتصاد الأزرق القائم على الاستغلال المعقلن للموارد البحرية وضمان استدامتها للأجيال القادمة. كما شدد على أن الهدف من الورشة لا يقتصر على عرض نتائج الدراسة، بل يتعداه إلى مناقشتها والخروج بتوصيات عملية قابلة للتنفيذ تخدم استدامة القطاع وتحسن أوضاع المهنيين.
عقب ذلك، تناول رئيس جمعية أزير لحماية البيئة الكلمة، حيث استعرض المنهجية والمعطيات المعتمدة في إنجاز هذه الدراسة، مبرزاً السياق العلمي والمهني الذي أُعدّت فيه، قبل أن يمنح الكلمة للباحث السيد زكرياءقوبع لتقديم مضامين الدراسة المنجزة بدعم من الجمعية.

وقد قدّم الباحث في التدبير البيئي والتنمية المستدامة عرضاً مفصلاً حول وضعية عدد من المخزونات السمكية بالمنطقة المتوسطية، مبرزاً تراجع بعض الأصناف وتهديد بعضها بالانقراض، كما استعرض معطيات رقمية تتعلق بحجم المفرغات بعدد من الموانئ ومراكز الصيد، مسلطاً الضوء على أبرز التحديات التي يواجهها القطاع، خاصة في ظل التحولات البيئية وتأثيراتها على استدامة الثروات البحرية.
وفي ختام العرض، تم اقتراح حزمة من التدابير العملية والتوصيات، تتمثل أساساً فيما يلي:
- توحيد وتعزيز آليات المراقبة البحرية، عبر تنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين وتكثيف عمليات التتبع والمراقبة الميدانية.
- إعادة إعمار البحر الأبيض المتوسط بالأسماك، بما يساهم في استعادة التوازن البيولوجي للمخزونات السمكية.
- تكثيف حملات التحسيس والتوعية البيئية الرامية إلى الحد من التلوث البحري وتشجيع مبادرات جمع النفايات البحرية.
- تفعيل المحميات البحرية القائمة وتعزيز نجاعتها، مع دراسة إمكانية إحداث محميات جديدة وفق معايير علمية دقيقة.
- تنويع مصادر الدخل لفائدة مهنيي الصيد التقليدي، من خلال تطوير أنشطة بديلة كالسياحة البحرية، وتربية الأحياء البحرية، وتثمين المنتجات البحرية ذات القيمة المضافة.
- تعزيز تبادل المعلومات والمعطيات العلمية بين المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري والمكتب الوطني للصيدومختلف الفاعلين المهنيين، بما يضمن اتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية دقيقة.
- وضع الصيادين واستدامة الموارد البحرية في صلب السياسات العمومية المتعلقة بتدبير قطاع الصيد البحري.
- إشراك كافة الأطراف المعنية، بما فيها الجماعات الترابية، في إعداد وتنفيذ برامج مندمجة لتدبير النفايات البحرية.
- تعزيز قدرات وتوعية الصيادين بأضرار الصيد الجائر، إلى جانب توعية المستهلك بأهمية اختيار منتجات بحرية مستدامة.
وفي إطار التفاعل مع مضامين الدراسة، قدّم مدير المركز الجهوي للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بالناظور مداخلة تضمنت قراءة نقدية وتكميلية للدراسة التي قدمها الباحث حول قطاع الصيد البحري خلال الفترة ما بين 2017 و2023. وأوضح في هذا السياق أن العرض تضمّن تحليلاً إحصائياً ومعطيات سوسيو-اقتصادية ونظرة نقدية لبعض جوانب الحكامة والترسانة القانونية المؤطرة للقطاع، مؤكداً أن دور المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري يتمثل في تقديم المعطيات العلمية الدقيقة انطلاقاً من قواعد بيانات واسعة وتجارب ميدانية منتظمة.
وسجل المتدخل ملاحظة منهجية تتعلق بتركيز الدراسة – بحسب قراءته – على فئة الصيد التقليدي، مشيراً إلى أن المقاربة المعتمدة من طرف المعهد ترتكز على إشراك مختلف الفئات المهنية قصد تحقيق التقاطع في المعطيات وضمان شمولية التحليل.

وفي ما يتعلق بأسباب تناقص الموارد البحرية، شدد المتدخل على أن اختزال الإشكال في الممارسات البشرية أو في القوانين التنظيمية يبقى طرحاً غير كافٍ، مبرزاً وجود عوامل طبيعية وبيئية كبرى مؤثرة. ومن بين هذه العوامل، أشار إلى انتشار بعض الأصناف الغازية، من قبيل السلطعون الأزرق (Blue Crab)، المعروف لدى بعض البحارة في المنطقة الشرقية بقدرته العالية على الافتراس، إضافة إلى التكاثر المفرط لقناديل البحر (Jellyfish) في البحر الأبيض المتوسط، وما يترتب عنه من استهلاك ليرقات وبيض الأسماك، خاصة أصناف الأسماك السطحية الصغيرة.
كما أشار إلى أن الفترة الممتدة بين 2017 و2023 تميزت بجفاف حاد، ما انعكس سلباً على التوازن البيئي البحري، نظراً لتراجع تدفق المياه العذبة من الوديان نحو البحر، وهي عنصر أساسي في الحفاظ على دينامية المنظومات الساحلية.
وفي سياق متصل، تطرق المتدخل إلى إشكالية التلوث المرتبط بالفيضانات، موضحاً أن ما كان يُعتبر في السابق عاملاً إيجابياً للبحر، بات اليوم يشكل تحدياً بيئياً، نتيجة حمل السيول لنفايات المطارح العمومية نحو الساحل. واستشهد في هذا الصدد بمثال منطقة “قاع سراس”، حيث تتسبب النفايات المنجرفة في الإضرار بصغار الأسماك، وهي فئة يصعب تعويضها بيولوجياً في حال تضررها.
وعلى مستوى الحكامة والشراكة الميدانية، أكد أن تطوير القطاع مسؤولية جماعية لا تقتصر على قطاع الصيد أو الفلاحة، بل تستدعي انخراط قطاعات أخرى، من بينها وزارة الداخلية والأجهزة المعنية بالمراقبة. كما أبرز تجربة” الصيدالرصدي“(La Pêche Observatoire) و”مرصد الصيد التقليدي“ الذي يشرف عليه المعهد في مناطق مثل سيدي احساينوكاليريس، مشيراً إلى توفير مختبرات متنقلة رهن إشارة البحارة للمساهمة في جمع المعطيات البيولوجية، مع تسجيل ضعف في انخراط بعض المهنيين في هذه المبادرات العلمية.

وتناول النقاش كذلك تأثير بعض الخيارات الاستراتيجية للدولة، من قبيل بناء السدود، التي وإن كانت تندرج ضمن أولويات وطنية كبرى، فإن لها انعكاسات غير مباشرة على تدفق المياه نحو البحار. كما تم التذكير بأن المشاريع المينائية الكبرى، سواء بالناظور أو طنجة، تخضع لدراسات التأثير على البيئة، في ظل سياق عالمي يتسم بتحديات مناخية معقدة، تعاني منها حتى الدول المتقدمة.

وخلصت أشغال الورشة إلى التأكيد على أن وضعية قطاع الصيد البحري بالواجهة المتوسطية المغربية تتسم بتعقيد وتعدد في الأبعاد، حيث تتداخل العوامل المناخية والبيئية مع الإكراهات الاقتصادية والحكامة القطاعية، ما يفرض اعتماد مقاربة تشاركية شمولية قوامها البحث العلمي، والانخراط المهني، والتنسيق المؤسساتي لضمان استدامة الثروة السمكية وحماية البيئة البحرية.
وفي الختام تم توقيع اتفاقية شراكة بين السيد رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية ورئيس جمعية أزير لحماية البيئة في أفق تطوير العمل والتعاون مستقبلا لاستدامة قطاع الصيد البحري والبيئة البحرية بالمنطقة المتوسطية، في إطار استراتيجية الغرفة في هذا الشأن.