خريطة طريق الصيد البحري 2025-2027: رؤية عملية لإعادة تموقع قطاع استراتيجي

في سياق التحولات الاقتصادية والبيئية المتسارعة، يواصل المغرب تثبيت اختياراته الاستراتيجية في تدبير موارده البحرية، من خلال اعتماد خريطة طريق الصيد البحري 2025-2027 كإطار عملي لإعادة هيكلة قطاع حيوي ظل لعقود يشكل رافعة أساسية للاقتصاد الوطني وللتوازن الاجتماعي بالمناطق الساحلية. هذه الخريطة، التي تقودها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، لا تُقدَّم كوثيقة نوايا أو خطاب سياسي ظرفي، بل كبرنامج عمل يستند إلى تشخيص واقعي لاختلالات القطاع، ويقترح حلولاً قابلة للتنزيل والتتبع.

وتقوم خريطة الطريق على تعزيز الحكامة كمدخل رئيسي للإصلاح، عبر تقوية التنسيق بين الإدارة المركزية والمندوبيات الجهوية، وإرساء آليات للتتبع والتقييم الميداني، بما يضمن نجاعة التدخلات العمومية وتقليص الفجوة بين القرار والتنفيذ. هذا التوجه يعكس إدراكاً واضحاً بأن أي إصلاح حقيقي لقطاع الصيد البحري لا يمكن أن ينجح دون حضور فعلي للإدارة في الميدان، ودون إشراك المهنيين والتعاونيات في صياغة الحلول وتنزيلها.

وعلى المستوى الاقتصادي، تراهن الخريطة على إعادة تموقع الصيد البحري داخل سلسلة القيمة، من خلال الانتقال من منطق الاستغلال الكمي إلى منطق التثمين والجودة. ويشمل ذلك تأهيل البنيات التحتية للموانئ، تحسين شروط التفريغ والتخزين والتسويق، دعم الصناعات التحويلية، والرفع من تنافسية المنتوج البحري الوطني في الأسواق الداخلية والخارجية. ويهدف هذا التوجه إلى خلق قيمة مضافة حقيقية، وتعزيز فرص الشغل المستدامة، خاصة في المناطق الساحلية التي يرتبط استقرارها الاجتماعي بشكل مباشر بدينامية القطاع.

كما تحتل تربية الأحياء المائية موقعاً محورياً في خريطة الطريق 2025-2027، باعتبارها خياراً استراتيجياً لمواجهة تراجع بعض المصايد الطبيعية وتزايد الطلب على المنتجات البحرية. وتراهن الدولة على تطوير هذا المجال عبر تأهيل الإطار القانوني، تحديد المجالات البحرية الملائمة، وتحفيز الاستثمار المسؤول، بما يجعل الأكوaculture رافعة واعدة للاقتصاد الأزرق، ومصدراً بديلاً للإنتاج وفرص الشغل.

وفي بعده البيئي والتنظيمي، تؤكد خريطة الطريق على ترسيخ مبادئ الصيد المسؤول، من خلال تشديد المراقبة، محاربة الصيد غير القانوني، احترام فترات الراحة البيولوجية وتشديد المراقبة برا وبحرا، وتحيين المنظومة القانونية بما يضمن حماية الثروة السمكية للأجيال القادمة واستدامتها. ويعكس هذا التوجه انسجام السياسة الوطنية مع المعايير الدولية، ويكرس موقع المغرب كفاعل ملتزم بالاستدامة البحرية.

ولا تقل أهمية الرهان على البحث العلمي في هذه الخريطة، حيث يتم تعزيز دور المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري وربط القرار العمومي بالمعطيات العلمية الدقيقة، سواء في ما يتعلق بتقييم المخزون السمكي أو بتأثيرات التغيرات المناخية على المنظومات البحرية. وهو اختيار يعزز عقلنة القرار ويحد من التدبير الظرفي أو الارتجالي.

وتكمن قوة خريطة طريق الصيد البحري 2025-2027 في كونها انتقلت من مستوى الإعلان إلى مستوى التنزيل، عبر لقاءات جهوية تواصلية، وتعبئة مختلف المتدخلين، ما يمنحها مصداقية سياسية ومؤسساتية أكبر، فضلا عن كونها تتسم بالاستدامة كامتداد لإستراتيجية “أليوتيس”.

أضف تعليق