
غرفة الصيد البحري المتوسطية-طنجة
في إطار التحضير للدورة العادية الرابعة للمجلس الوطني لتربية الأحياء المائية البحرية، رفعت غرفة الصيد البحري المتوسطية مذكرة تفصيلية إلى كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري تضمنت سلسلة من المقترحات ذات الطابع الاستراتيجي الرامية إلى تعزيز تنافسية قطاع تربية الأحياء المائية البحرية بالمغرب، وتحسين جاذبيته الاستثمارية، وضمان استدامته في ظل التحولات الاقتصادية والبيئية والتقنية التي يشهدها القطاع على الصعيدين الوطني والدولي.
وأكدت الغرفة، في مراسلتها، أن قطاع تربية الأحياء المائية البحرية يواجه مجموعة من التحديات البنيوية التي تستدعي مراجعة عدد من المقتضيات القانونية والتنظيمية، إلى جانب تسريع وتيرة الاستثمار في البحث العلمي والبنيات الإنتاجية والتكوين المتخصص.
وفي مقدمة المقترحات، دعت الغرفة إلى الرفع النهائي والدائم لرسوم الاستيراد المفروضة على أعلاف تربية الأسماك، معتبرة أن الأعلاف تشكل ما بين 50 و60 في المائة من تكلفة الإنتاج داخل مشاريع الاستزراع المائي، ما يجعل أسعارها وجودتها واستمرارية تزويد السوق بها عاملا حاسما في ضمان تنافسية المنتوج الوطني. وأشارت إلى أن المغرب سبق أن اعتمد إجراءات لتخفيف الرسوم الجمركية على أعلاف الأسماك منذ قانون مالية 2018، قبل تمديدها بموجب قانون مالية 2024، غير أن انتهاء هذا الإجراء مع نهاية سنة 2026 يثير مخاوف المهنيين، خاصة في ظل محدودية الإنتاج الوطني للأعلاف وغياب منافسة حقيقية داخل السوق المحلية.
وسجلت الغرفة أن المغرب أصبح بلدا مصدرا لمنتجات تربية الأحياء المائية، وهو ما يفرض الالتزام بمعايير دولية صارمة مرتبطة بالجودة والسلامة والتتبع، بينما لا تتوفر الأعلاف المصنعة محليا حاليا على شهادات الاعتماد الدولية المطلوبة من طرف بعض الأسواق الخارجية. واعتبرت أن أي حماية مبكرة لصناعة وطنية ما تزال في بداياتها قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقليص تنافسية المقاولات، وزيادة مخاطر اضطراب التموين، والتأثير سلبا على جاذبية الاستثمار وقدرة المنتجات المغربية على الولوج إلى الأسواق الدولية.
كما دعت المراسلة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لامتلاك واستيراد سفن الخدمة الخاصة بتربية الأحياء المائية، باعتبار هذه السفن وسائل إنتاج أساسية بالنسبة للمزارع البحرية، حيث تستعمل في نقل الأعلاف والمستخدمين والتقنيين، وإنجاز عمليات الصيانة والحصاد ومراقبة الأقفاص والتجهيزات البحرية. وأوضحت الغرفة أن القيود القانونية الحالية، المرتبطة بالقانون التجاري البحري والمقتضيات المنظمة لمنح الجنسية المغربية للسفن، تشكل عائقا أمام استقطاب الاستثمارات الأجنبية التي تراهن عليها الدولة في إطار استراتيجية “أليوتيس”. وفي هذا السياق، اقترحت إقرار نظام قانوني خاص بسفن الخدمة المرتبطة حصريا بتربية الأحياء المائية، مع اعتماد مساطر مبسطة ومرنة لتسجيلها واستغلالها، بما يضمن التوازن بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على السيادة الوطنية.
وفي محور آخر، شددت الغرفة على ضرورة تطوير المفرخات البحرية وتعزيز إنتاج الإصبعيات محليا، مبرزة أن القطاع ما يزال يعتمد بشكل كبير على استيراد الإصبعيات من الخارج، خصوصا بالنسبة للأنواع البحرية ذات القيمة التجارية العالية، الأمر الذي يشكل نقطة ضعف استراتيجية من حيث الأمن البيولوجي واستمرارية التزويد وكلفة الإنتاج. وأشارت إلى أن الاعتماد المفرط على الاستيراد يعرض المزارع البحرية لمخاطر مرتبطة باضطرابات سلاسل التوريد الدولية وارتفاع تكاليف النقل والإجهاد الناتج عن عمليات النقل الطويلة، إضافة إلى المخاطر الصحية والوبائية وضعف التحكم في جودة الإصبعيات.
ودعت الغرفة إلى تسريع إنجاز مشاريع المفرخات البحرية الوطنية وتشجيع الاستثمار الخاص والشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع دعم البحث العلمي والتكوين المتخصص في مجال التفريخ البحري وتعزيز برامج الانتقاء الوراثي. كما اقترحت إدراج نقطة خاصة ضمن جدول أعمال المجلس الوطني لتربية الأحياء المائية البحرية لتقديم حصيلة حول مدى تقدم مشروع الشراكة بالمفرخة البحرية طنجة – تهدارت، باعتباره مشروعا استراتيجيا منتظرا لدعم الأمن الاستراتيجي للإصبعيات وتطوير الإنتاج الوطني.
وفي الجانب الصحي، أبرزت المراسلة الخصاص الكبير الذي يعرفه القطاع في مجال الطب البيطري المتخصص في أمراض الأسماك والأحياء المائية، سواء على مستوى الموارد البشرية أو المختبرات أو خدمات التشخيص والمتابعة الصحية. ودعت إلى تشجيع تكوين أطباء بيطريين متخصصين في طب الأحياء المائية، ودعم إحداث مختبرات للتشخيص والتحاليل الصحية، وتعزيز البحث التطبيقي المرتبط بالأمراض والطفيليات والظروف البيئية البحرية، إلى جانب تشجيع التعاون بين القطاع الخاص والجامعات والمعاهد الوطنية.
كما خصصت الغرفة حيزا مهما لتأثيرات التغيرات المناخية على قطاع الاستزراع المائي، مؤكدة أن ارتفاع درجات حرارة مياه البحر وتغير الخصائص البيئية البحرية وتزايد الظواهر المناخية القصوى أصبحت تمثل تحديات حقيقية أمام استدامة النشاط، خاصة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط التي تعرف تغيرات حرارية متسارعة خلال السنوات الأخيرة. وفي هذا الإطار، دعت إلى إطلاق برامج بحث علمي تطبيقية موجهة خصيصا لدراسة آثار التغير المناخي على تربية الأحياء المائية، مع تطوير أنظمة الإنذار المبكر والرصد البيئي، ودعم الأبحاث المتعلقة بالسلالات المقاومة والأنظمة الإنتاجية المتأقلمة مع التحولات المناخية.
ومن بين المقترحات التي تضمنتها المراسلة أيضا، الدعوة إلى تشجيع إحداث “Clusters” وفضاءات للتعاون القطاعي في مجال الاقتصاد الأزرق والاستزراع المائي، باعتبارها آليات فعالة لتعزيز الابتكار والتكوين والخدمات المشتركة وتثمين المنتجات البحرية والبحث التطبيقي ونقل التكنولوجيا. وأكدت الغرفة أن هذه الهياكل يمكن أن تسهم في معالجة عدد من الإشكالات التي يصعب على الإدارة أو القطاع الخاص معالجتها بشكل منفرد، داعية إلى وضع إطار قانوني وتحفيزي لدعم إنشائها وتشجيع مشاركة التعاونيات والمقاولات الصغرى والناشئة داخل هذه المنظومات.
وفي ما يتعلق بالتكوين والموارد البشرية، نوهت الغرفة بالمجهودات المبذولة خلال السنوات الأخيرة من خلال إطلاق عدة برامج ومسارات تكوينية متخصصة، سواء عبر مدن المهن والكفاءات أو المعهد المتخصص في التكنولوجيا التطبيقية البستانية بأكادير أو المعهد العالي للصيد البحري، إضافة إلى برامج التكوين المهني والتكوينات الجامعية. غير أنها شددت في المقابل على ضرورة تقييم هذه البرامج بشراكة مباشرة مع المهنيين لضمان ملاءمتها مع حاجيات المقاولات والواقع الميداني للقطاع.
كما أثارت المراسلة إشكالية تكوين الغواصين المهنيين المتخصصين في الأنشطة البحرية، والحاجة إلى تعزيز خدمات الصحة المهنية والتتبع الطبي الخاص بالمهن البحرية، إضافة إلى تشجيع تكوين أطباء ومصالح استعجالية متخصصة في معالجة حوادث الغوص والطوارئ البحرية بالمناطق الساحلية التي تحتضن مشاريع الاستزراع المائي.
وسجلت الغرفة كذلك الصعوبات التي يواجهها عدد من خريجي التكوينات المتخصصة بسبب عدم توفرهم على “الدفتر البحري”، رغم حصولهم على دبلومات وتقنيات مرتبطة بالقطاع، معتبرة أن هذا الوضع يشكل عائقا حقيقيا أمام ولوجهم المباشر إلى سوق الشغل. ودعت إلى إدماج الحصول على الدفتر البحري ضمن مسارات التكوين، وتمكين المتدربين من استكمال المساطر الإدارية والتنظيمية الضرورية بالتوازي مع التكوين التقني، في إطار منظومة متكاملة تشمل السلامة البحرية والإسعافات والتأهيل القانوني والمهني المطلوب للعمل داخل المزارع البحرية.
وتعكس هذه المقترحات، بحسب مضامين المراسلة، توجها نحو بناء منظومة متكاملة لتطوير تربية الأحياء المائية البحرية بالمغرب، تقوم على تعزيز تنافسية المقاولات، وضمان الأمن الاستراتيجي للإنتاج، وتشجيع الاستثمار والابتكار، مع مواكبة التحولات البيئية والمناخية التي باتت تؤثر بشكل مباشر على مستقبل الاقتصاد الأزرق الوطني.